ابن الجوزي
29
بستان الواعظين ورياض السامعين
فإذا غضب اللّه تعالى على أهل الأرض أمر اللّه تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق فينفخ على غفلة من الناس فمن الناس من هو في وطنه ومنهم من هو في سوقه ومنهم من هو في حرثه ومنهم من هو في سفره ومنهم من يأكل فلا يرفع اللقمة إلى فيه حتى يخمد ويصعق . ومنهم من يحدث صاحبه فلا يتم الكلمة حتى يموت فتموت الخلائق كلهم عن آخرهم » . وإسرافيل لا يقطع الصيحة حتى تغور عيون الأرض وأنهارها ونباتها وأشجارها وجبالها وبحارها ، ويدخل الكلّ بعضه في بعض في بطن الأرض والناس خمود صرعى فمنهم من هو صريع على وجهه ومنهم من هو صريع على ظهره وعلى جنبه وعلى خده ومنهم من يكون اللقمة في فيه فيموت وما أدرك أن يبتلعها وتنقطع السلاسل التي فيها قناديل النجوم فتستوي بالأرض من شدة الزلزلة وتموت ملائكة السبع سماوات ، والحجب والسرادقات ، والصادقون والمسبحون وحملة العرش والكرسي وأهل سرادقات المجد والكروبيون ويبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليه السلام . [ 35 ] كيف يموت جبريل يقول الجبار جل جلاله : يا ملك الموت من بقي ؟ - وهو أعلم - فيقول ملك الموت : سيدي ومولاي أنت أعلم بقي إسرافيل وبقي جبريل وبقي ميكائيل وبقي عبدك الضعيف ملك الموت خاضع ذليل قد ذهلت نفسه لعظيم ما عاين من الأهوال . فيقول له الجبار تبارك وتعالى : انطلق إلى جبريل فاقبض روحه ، فينطلق ملك الموت إلى جبريل عليه السلام فيجده ساجدا راكعا فيقول له : ما أغفلك عما يراد بك يا مسكين ، قد مات بنو آدم وأهل الدنيا والأرض والطير والسباع والهوام وسكان السماوات وحملة العرش والكرسي والسرادقات وسكان سدرة المنتهى وقد أمرني المولى بقبض روحك ! فعند ذلك يبكي جبريل عليه السلام ويقول متضرعا إلى اللّه تعالى : يا اللّه هوّن عليّ سكرات الموت . فيضمه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه فيخر جبريل منها صريعا فيقول الجبار جل جلاله : من بقي يا ملك الموت ؟ - وهو أعلم - فيقول : مولاي وسيدي بقي ميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت .